فخر الدين الرازي
339
مفاتيح الغيب ( التفسير الكبير ) ( تفسير الرازي ) ( ط دار احياء التراث )
له الأمران النصر والفتح ، وصار الخلق له كالأرقاء حتى أعتقهم القول الثاني : أن المراد فتح خيبر ، وكان ذلك على يد علي عليه السلام ، والقصة مشهورة ، روي أنه استصحب خالد بن الوليد ، وكان يساميه في الشجاعة ، فلما نصب السلم قال لخالد : أتتقدم ؟ قال : لا ، فلما تقدم علي عليه السلام سأله كم صعدت ؟ فقال : لا أدري لشدة الخوف ، و روي أنه قال لعلي عليه السلام ألا تصارعني فقال : ألست صرعتك ؟ فقال : نعم لكن ذاك قبل إسلامي ، ولعل عليا عليه السلام إنما امتنع عن مصارعته ليقع صيته في الإسلام أنه رجل يمتنع عنه علي ، أو كان علي يقول صرعتك حين كنت كافرا ، أما الآن وأنت مسلم فلا يحسن أن أصرعك القول الثالث : أنه فتح الطائف وقصته طويلة والقول الرابع : المراد النصر على الكفار ، وفتح بلاد الشرك على الإطلاق ، وهو قول أبي مسلم والقول الخامس : أراد بالفتح ما فتح اللّه عليه من العلوم ، ومنه قوله : وَقُلْ رَبِّ زِدْنِي عِلْماً [ طه : 114 ] لكن حصول العلم لا بد وأن يكون مسبوقا بانشراح الصدر وصفاء القلب ، وذلك هو المراد من قوله : إِذا جاءَ نَصْرُ اللَّهِ ويمكن أن يكون المراد بنصر اللّه إعانته على الطاعة والخيرات ، والفتح هو انتفاع عالم المعقولات والروحانيات . المسألة الثانية : إذا حملنا الفتح على فتح مكة ، فللناس في وقت نزول هذه السورة قولان : أحدهما : أن فتح مكة كان سنة ثمان ، ونزلت هذه السورة سنة عشر ، وروي أنه عاش بعد نزول هذه السورة سبعين يوما ، ولذلك سميت سورة التوديع والقول الثاني : أن هذه السورة نزلت قبل فتح مكة ، وهو وعد لرسول اللّه أن ينصره على أهل مكة ، وأن يفتحها عليه ، ونظيره قوله تعالى : إِنَّ الَّذِي فَرَضَ عَلَيْكَ الْقُرْآنَ لَرادُّكَ إِلى مَعادٍ [ القصص : 85 ] وقوله : إِذا جاءَ نَصْرُ اللَّهِ وَالْفَتْحُ يقتضي الاستقبال ، إذ لا يقال فيما وقع : إذا جاء وإذا وقع ، وإذا صح هذا القول صارت هذه الآية من جملة المعجزات من حيث إنه خبر وجد مخبره بعد حين مطابقا له ، والإخبار عن الغيب معجز فإن قيل : لم ذكر النصر مضافا إلى اللّه تعالى ، وذكر الفتح بالألف واللام ؟ الجواب : الألف واللام للمعهود السابق ، فينصرف إلى فتح مكة . [ سورة النصر ( 110 ) : آية 2 ] وَرَأَيْتَ النَّاسَ يَدْخُلُونَ فِي دِينِ اللَّهِ أَفْواجاً ( 2 ) فيه مسائل : المسألة الأولى : ( رأيت ) يحتمل أن يكون معناه أبصرت ، وأن يكون معناه علمت ، فإن كان معناه أبصرت كان يدخلون في محل النصب على الحال ، والتقدير : ورأيت الناس حال دخولهم / في دين اللّه أفواجا ، وإن كان معناه علمت كان يَدْخُلُونَ فِي دِينِ اللَّهِ مفعولا ثانيا لعلمت ، والتقدير : علمت الناس داخلين في دين اللّه . المسألة الثانية : ظاهر لفظ الناس للعموم ، فيقتضي أن يكون كل الناس كانوا قد دخلوا في الوجود مع أن الأمر ما كان كذلك الجواب : من وجهين الأول : أن المقصود من الإنسانية والعقل ، إنما هو الدين والطاعة ، على ما قال : وَما خَلَقْتُ الْجِنَّ وَالْإِنْسَ إِلَّا لِيَعْبُدُونِ [ الذاريات : 56 ] فمن أعرض عن الدين الحق وبقي على الكفر ، فكأنه ليس بإنسان ، وهذا المعنى هو المراد من قوله : أُولئِكَ كَالْأَنْعامِ بَلْ هُمْ أَضَلُّ [ الأعراف : 179 ] وقال : آمِنُوا كَما آمَنَ النَّاسُ [ البقرة : 13 ] وسئل الحسن بن علي عليه السلام من الناس ؟ فقال : نحن الناس ، وأشياعنا أشباه الناس ، وأعداؤنا النسناس ، فقبله علي عليه السلام بين عينيه ، وقال : اللّه أعلم حيث يجعل